الأحد، 23 سبتمبر 2018

رحلــة بـحـثٍ عـن « خـريـر » الدواخل ..

قصة قصيرة:
- رحلــة بـحـثٍ عـن « خـريـر » الدواخل ..
تلحفتِ السماء بالزرقة الصافية . لا أثر لوشاحِ غيمةٍ ولا لـبـقايا أهـدابِ سـحابة . حرارة هذا الصبـاح مائلة إلى الإعتدال .. البحر في حالة جزر كامل ، لحظتها . هذه العناصر ، وغيرها كثير ، كلها تغري بلذة الإنزياح نحوها والإندماج فيها ! لذلك قمتُ قـومة رجـل شــدَّ عـزمـه ، فغيرتُ ملابسي وخرجت . لعلني بـذلك أسـتـرد خريـر مـاءِ الدواخـل ، بعـد حالـة « اللاجـدوى الوجودي والخـواء الداخلي » التي اسـتـبـدتْ بـي ، واستوطنتني وعمّرتْ طويلا ! ترجّلتُ عبر الشارع وأنـا أتحكـم في تبطيء سيري . واثق الخطـو أسـير كسَـيْـرِ ناسكٍ نحو معبد . هكذا أطلب الجمال حين يغويني وأستجيب لغوايته !
كنت أستيقظ في الصباح بلا غاية ! وأسأل :
-« لماذا استيقظت ؟!»
أشرب قهوتي الصباحية وأدخن سيجارتي الأولى لأسترد صفو المزاج ، لكن بلا لـــذة ! فأسأل :
-« وماذا بعد ؟!»
وأضيف :
-« أغبط من يسترد صحوه وينخرط في تنفيذ برنامجه اليومي . فما أروع أن يستفيق المرء من نومه ، وينخرط في العمل الذي من أجله استيقظ ، بسيطا كان العمل أم معقدا !»
-«والكتابة ؟!»
-«لماذا انطمست في كياني كل بواعثها ؟!»
فحين أختلي بنفسي لأكتب ، تكون الورقة البيضاء فضاء حريتي . عليها أصب همومي . إليها أروي أحزاني . وإليها أشكو عذاباتي . وعليها أفجر أفراحي وأحلامي . أبوح لها ، فأجدها رحبة كرحابة بحور بلادي . تحتويني كاملا، فتبعث في كياني رميم أحاسيس رائعة ، تجتمع على مرتكز واحد :
- الوجود كهوية في فضاء حر ونقي !
- ووجود موجود يعرف ما يريد في حياته وفي يومه !
-« لقد ضِعـتُ في الدروب الملتوية التي يغمرها القحط الداخلي !»
هكذا حسمتُ توصيف الحالة !
ومع هذه الحالة تـتحول كـل سلوكاتي إلى تكرار يومي ثـقيل بـلا شـغف وبـلا لـــذة ! فالخواء الداخلي يقتلـني ، واللاجدوى الوجودي يمزقني ، ويُـمَلِّخُ جسدي الوهن بالألم ! لذلك ، سافرت لعل وعسى . ولذلك أنا هنا بجانب أعظم بحور بلادي التي أنـشَـدُّ إليها بافتتان أزرق ! فهنا مشفاي النفسي ، الذي به وفيه أغالب الحمق والجنون بعنفهما الظالم !
وجدتُ البحر في أواخر حالة جزره الكامل . ومع هذه الحالة يكشف الشاطئ عن كل دواخله ويفصح عن أروع أسراره : تشكيلُ متناغم من الرمل والصخر وأعشاب البحر ، والأسماك الصغير الحائرة ! وتشكيل متناغم من الألوان كذلك ! ومع حالة المـــدِّ عند بدايته تحديداً ينضاف إلى هذه اللوحة التشكيلية عنصر متحرك : الأخاديد وهي ترسم مساربها ، والخرير يواكبها . فالماء بطبعه يبحث عن الفراغات ليملأها .
-«وهكذا كالماء تماما ، علي أن أبحث عن الفراغات لأملأها ! لعل وعسى !»
وصلت إلى المهبِط المشكل من سلم إسمنتي . ألفني كما ألفته ! ونظرا لطول مسافته ، أفكر دوما وأنا نازل ، في الصعود المُـتْـعِب . وأكرر دوما على هذا السلم قولي :
- «النزول سهل ، لكن الصعود مضنٍ »
وأضيف على قياس ذلك :
- « هكذا هي الحياة ! »
- « وهكذا هي القيم المؤطرة لسلوك الإنسان في هذه الحياة أيضا: النزول إلى النذالة وموت الضمير سهل ومُيَسَّر ، أما طلب قيم النبل العليا فهو أمر صعب ، لأنها على قـمـم الجبال تـكون . ولـكي يـصلها المرء ، عليه أن يجاهد ضد نفسه بقتالية عالية ، وعلى مدار الساعة في كل يوم وفي كل ليلة !»
نزلت بيسرإلى أجواء هذا الفضاء المبهج . وجدتُ البحر قد شرع في مـدِّه ليغمر الشاطئ ! فانطلق بندول الزمن النفسي في الحركة !
-« والزمن النفسي هو الساعة الحقيقية لكل إنسان »!
تمددت على صخرة ، وأغمضت عيني . وأسلمت نفسي لخرير الماء المنبعث كالغناء ، من الجداول حولي ! فانتقل الخرير إلى دواخلي ، وغمرها بالكامل !!
لحظتها ، شرعت في الكتابة بلا قلم ومن دون ورق ! أكتب في دماغي لدماغي ، وهو يحول ما أكتب إلى أرشيف الذاكرة ، وقد تأهبتْ فصارتْ في أقصى حالات الوهج !!
وعندما أبدأ في الكتابة ، تشرع الغيوم الكثيفة الجاثمة على صدري بسوادها وثقلها ، في التبدد . تغادر منسلة ومهزومة . أما عندما أختلي وأنطلق ، والقلم يطاوع ، ولا يحرن ، فإنني أحس بأني أغتسل . من أوساخي أغتسل ومن أدران قومي أتنظف . وأُبْعِد عني وعن خلقتي ما طالها من تشوهات . لأن التلوث عقلا ووجدانا ، فكرا وخُلُقا ، يجد منفذه إلى الكيان والكينونة ، عبر الهواء الذي نستنشق !
ولما انتهيت من الكتابة ، كان المـــدُّ قد هجم علي ، وبلل ثيابي !! فانخرطت في الضحك كالأبله ! قـمـتُ واقتدتُ خطوي نحو الرمل . جلست قبالة البحر ، ثم شرعت في استحضار ما كتبت : كان نصّاً كامل الأركان ! قصة قصيرة عنوتها بهذا العنوان :
-« الحب والبحر» !
وتركت أمر نقلها على الورق إلى أن أختلي بنفسي ، عند عودتي إلى المنزل ..
فبالخلوة من أجل الكتابة ، أقف في لجة الورقة وجها لوجه ضد نفسي ، لأصنع وجودي كنصوص ، أستحم بداخلها . وإذا كانت لحظات خلوتي ، وأنا أكتب ، وأفكر فيما أكتب ، لا تخلو من متاعب وجهد ، وما يواكب ذلك من المخاضات والأوجاع المؤلمة أحيانا ؛ فإنني أقر ، رغم كل ذلك ، بأنها لحظات خلوة لذيذة ! لا يضاهيها في اللذة وروعاتها ، إلا شيء واحد : احتضاني لحبيبتي ، وأنا أشم عبيرها ، وأتذوق ذلك الطعم المبهم في لذّاته ، الذي تجود به شفتاها !
- «عودة الروح : انتصار على النفس ! »
هكذا علقت على الحالة وضدها .. ثم أضفت :
- « أنـا أكتـب إذن أنـا موجود - أنـا لا أكتـب إذن أنـا لست أنـا ! »
ولأفهم كيف أروض نفسي على قهر « اللاجدوى الوجودي والخواء الداخلي » ، فكرت أن أكتب عن هذه الحالة ، بعد كتابة النص المكتمل قبل قليل ، وأن أعنون نص الحالة بهذا العنوان :
- ( رحلة بحث عن « خرير » الدواخل ..)
كي يكون منارة هداية لي ، إن حل بي زمن القحط الداخلي مرة أخرى !
محمد الجلايدي - شاطئ مولاي بوسلهام - المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق